الشنقيطي
25
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والتبديل ، كما لا ينبغي لمن لم يعلم حقيقة أمر في فنه أن يبادر بإنكارها ما لم تكن مصادمة لنص صريح . وعليه أن يتثبت أولا وقد نبهنا سابقا على ذلك في مثل ذلك في قصة نبي اللّه سليمان مع بلقيس والهدهد حينما جاءه ، فقال : أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [ النمل : 22 ] وقصّ عليه خبرها مع قومها ، فلم يبادر عليه السلام بالإنكار . لكون الآتي بالخبر هدهدا ، ولم يكن عنده علم به ولم يسارع أيضا بتصديقه ، لأنه ليس لديه مستند عليه ، بل أخذ في طريق التثبت بواسطة الطريق الذي جاءه الخبر به قال : سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ [ النمل : 27 ] ، وأرسله بالكتاب إليهم ، فإذا كان هذا من نبي اللّه سليمان ولديه وسائل وإمكانيات كما تعلم . فغيره من باب أولى . تنبيه آخر إذا كان علماء الإسلام يثبتون كروية الأرض ، فماذا يقولون في قوله تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ - إلى قوله - وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [ الغاشية : 17 - 20 ] . وجوابهم كجوابهم على قوله تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [ الكهف : 86 ] ، أي في نظر العين ، لأن الشمس تغرب عن أمة ، وتستمر في الأفق على أمة أخرى ، حتى تأتي مطلعها من الشرق في صبيحة اليوم الثاني ، ويكون بسط الأرض وتمهيدها ، نظرا لكل إقليم وجزء منها لسعتها وعظم جرمها . وهذا لا يتنافى مع حقيقة شكلها ، فقد نرى الجبل الشاهق ، وإذا تسلقناه ووصلنا قمته وجدنا سطحا مستويا ، ووجدنا أمة بكامل لوازمها ، وقد لا يعلم بعض من فيه عن بقية العالم ، وهكذا ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) [ 46 ] . العشية : ما بين الزوال إلى الغروب ، والضحى : ما بين طلوع الشمس إلى الزّوال ، وهذا تحديد بنصف نهار . وقد جاء التحديد بساعة من نهار .